الأثر لنا: مشروع التصميم التشاركي حول علاقة آثـار شارع الخليفة بالبيئة المحيطة

WHOSE MONUMENT? Participatory Design Project on the
Relationship of al-Khalifa St. Monuments and their surroundings

الشارع

وصف للمنطقة موضوع البحث

 
(لرؤية الخريطة بشكل أوضح إضغط هنا
يبدأ شارع أحمد بن طولون - بير الوطاويط سابقاً – من شارع الخضرية (الخضيرى) حيث مدرسة صرغتمش وكلية الشريعة بجامعة الأزهر، ويمتد على الجانب الغربى من الشارع جامع أحمد ابن طولون ويقع ملاصقاً لحائط الجامع الجنوبى بيت الكريتلية وآمنة بنت سالم الذان ضمّا لاحقاً في دارٍ واحدٍ سكنه الماجور الإنجليزي جاير أندرسون في 1935م وجمع فيه مجموعة من التحف التي جمعها من مختلف أنحاء العالم، وقد تمّ الإبقاء على هذه المجموعة المتحفية بالبيت بعد تحويله إلى متحف جاير أندرسون. وتقع بجوار المتحف قبة صغيرة للشيخ هارون والحديقة التى ضمت إلى المتحف لاحقاً، أما الجانب الشرقى من الشارع فيجمع بين المدارس والسكنى والتجارى. وينتهى الشارع عند تقاطعه مع شارع الخليفة.

 

يتصل شارع أحمد ابن طولون بشارع الخليفة ودرب الحصر عند السوق حيث يتسع الفراغ ليضم سوقا للخضروات يحيط به مختلف الدكاكين والأنشطة. ويتخلل شارع الخليفة عدد من العطفات والدروب والأزقة تضم مقامات وزوايا أولياء الله الصالحين والعلماء يقام فيها الموالد وحضرات الذكر كما وصفه على باشا مبارك، ويمتد حتى تكية السيدة رقية حيث يتصل بشارع الأشرف الذى ينتهى بميدان السيدة نفيسة. وفي أول شارع الخليفة يقع منزل ساكنة باشا الذي يرجع للعصر العثماني، ويقال أن الخديوي إسماعيل قد وهبه للعالمة ساكنة التى أنعم عليها بالباشوية. وعلى طول شارع الخليفة والأشرف نجد مشاهد لأهل البيت ففى وسط شارع الخليفة يقع مشهد ومسجد السيدة سكينة ، وكان يقام فيه أيضاً حضرة كل ليلة خميس ومولد كل عام. وذكرعلى باشا مبارك حمام السيدة سكينة – والمعروف أيضاً بحمام الخليفة - الواقع بشارع السيدة سكينة مقابل مدخل المشهد الجنوبى والذى ظل يعمل للرجال والنساء بعد زمن على باشا، إلا أنه أزيل مؤخراً. وبعده بقليل نجد جامع سيدى محمد الأنور الذى كانت تقام فيه الشعائر ومولد كل عام حتى أغلق منذ وقت قريب. ثم نصل إلى قبة شجرة الدر التى كان ملحقاً بها مسجد الخليفة وضريح سيدى محمد الخليفة العباسى المنسوب إليه تسمية الشارع، كما أكد على باشا مبارك، إلا أن المسجد قد أزيل فى ثلاثينات القرن العشرين كجزء من مشروع لتوسعة الشارع الذى لم يكتمل. ونجد اليوم ملحقاً بقبة شجرة الدر زاوية غير مكتملة البناء أنشأتها لجنة حفظ الآثار عوضاً عن المسجد المزال. ومقابل القبة على الشارع تقع تكية السيدة رقية وقبتا سيدى الجعفرى والسيدة عاتكة. كما ذكر على باشا مبارك مساكن للصوفيين وجنينة وزاوية تم إزالتهم لاحقاً. وذكر أيضاً ثلاث وكالات بشارع الخليفة؛ وكالة فطومة عجم وبها أدوار سفلية وعلوية للسكن، ووكالة خليل المدنى بها أماكن للسكن، ووكالة السيد محمد السادات وبها أماكن علوية وسفلية للسكن. وذكر أيضاً سبيل النجدلى الذى وقفه حسن أغا النجدلى وكان ما زال يعمل فى زمن على باشا تحت نظارة فطومة عجم. كما ذكر قراقول السيدة رقية الموجود بالقرب من تكيتها.

 

وينتهى هنا شارع الخليفة ليبدأ شارع الأشرف عند التقاطع مع شارع البلاسى حيث مقام سيدى محمد ابن سيرين. وتقع قبة ومدرسة أم الصالح – والمعروفة أيضاً بفاطمة خاتون – وبجوارها قبة الأشرف خليل المسمى عليه الشارع. وعلى رأس تقاطع شارع الأشرف بشارع السيدة نفيسة يقع سبيل عثمانى. وينتهى الشارع بميدان السيدة نفيسة الذى سمى على مشهد السيدة نفيسة الواقع شرقى الميدان.

 

ويتميز شارعا الخليفة والأشرف باختلاط الأنشطة بهما فبالإضافة إلى المشاهد والأضرحة نجد الدكاكين والمطاعم والقهاوى تنتشر على طول الطريق حتى ميدان السيدة نفيسة والمساكن والورش والمصانع والباعة الجائلين والمفترشين الطريق وعربات الفول والسبح والدميات مما يضفى حيوية هذا بالإضافة إلى الطابع الروحانى الملموس بالمكان.

 

نبذة عن الفسطاط والعسكر والسيدة نفيسة:

أنشأت مدينة الفسطاط كعاصمة لمصر بعد الفتح الإسلامي فى 20ﮬ/642م على ضفاف النيل بالقرب من حصن بابيلون وهى المنطقة المعروفة حالياً بمصر القديمة، وأنشأ بها أول جامع بمصر وهو جامع عمرو ابن العاص. وبعد زوال الحكم الأموي أنشأ الحكام العباسيون عاصمة جديدة لهم بمصر وهي مدينة العسكر شمالي الفسطاط حيث كانت مقراً لمعسكرات الجيش وأنشأ بها مسجداً جامعاً عرف بجامع العسكر وداراً للإمارة. وقد عاشت السيدة نفيسة مع زوجها إسحاق ابن جعفر الصادق في دارهما بخط درب السباع ودرب بزرب في العصر العباسي. وهي نفيسة بنت الحسن ابن زيد ابن الحسن ابن علي ابن أبي طالب، وأمّها هي زينب بنت الحسن ابن الحسن ابن علي، فهي من الأشراف من نسبيّ أبيها وأمّها. وقد عرفت السيدة نفيسة بورعها وزهدها هذا بالإضافة لفقهها وتفسيرها للقرآن الكريم، فالتف حولها أهل مصر وتقربوا إليها تبركاً بها، كما قصدها علماء عصرها وأئمته، فقد روى المقريزي أن الإمام الشافعي كان يزورها ويطلب منها الدعاء، كما كانت السيدة نفيسة ممن صلّوا عليه بعد وفاته. وعندما أحسّت السيدة نفيسة بدنو أجلها حفرت بنفسها قبراً بدارها، إلا أن بعد وفاتها في رمضان 208ﮬ/824م أراد زوجها دفنها بالبقيع، فاستأذنه أهل مصر أن يدفنها ببلدهم للتبرك بها، وقد وافق بعد أن رأى رؤية بذلك. ويقول المقريزي "وقبر السيدة نفيسة أحد المواضع المعروفة بإجابة الدعاء بمصر." وبدأ الناس يقيمون قبورهم بجوار قبر السيدة نفيسة تبركاً بها، ومن وقتها أصبحت منطقة السيدة نفيسة نواة لجبانة صغيرة شمالي القرافة.

 

نشأة مدينة القطائع:

عندما استقل أحمد ابن طولون بحكم مصر، أنشأ مدينة القطائع لتكون عاصمة لها شمال شرق مدينة العسكر لتمتد على مساحة ميل مربع من جبل يشكر (موضع جامع أحمد ابن طولون) إلى ميدان ابن طولون (ميدان الرميلة وقراميدان تحت القلعة حالياً). وسميت بالقطائع لتقسيمها على عسكر ابن طولون قطيعة لكل طائفة منهم، وقد أنشأ ابن طولون جامعاً وداراً للإمارة ومارستاناً وعيناً فى مدينته الجديدة، ولكن لم يبق من المدينة إلا الجامع.

 

التطور العمرانى للمدينة:

وفى بداية الحكم الفاطمى كانت الفسطاط قد امتدت شمالاً حتى جبل يشكر وجنوباً حتى اسطبل عنتر المعروف فى أول العصر الإسلامى بالجرف أو الشرف، كما عرف فى عهد الوزير الأفضل (القرن السادس الهجري/الثانى عشر الميلادي) بالمرصد. وقد انقسمت المدينة إلى قسمين؛ عمل أسفل فى الجزء الجنوبى الغربى للفسطاط ويعتبر الأكبر فى الكثافة العمرانية وبه الأسواق والقياسر ودار الضرب، وعمل فوق يمتد شمالاً وجنوباً فى الجزء شرقي عمل أسفل، ويضم جبل يشكر وسفح المقطم وبركة الحبش - المعروفة حالياً بالبساتين - ويعتبر عمل فوق الامتداد العمراني لعمل أسفل ويضم المنطقة السكنية للمدينة. وكان لكل منطقة جامع كبير، ففى عمل أسفل جامع عمرو ابن العاص وسمي بالجامع السفلانى، وفى عمل فوق جامع أحمد ابن طولون وسمى بالجامع الفوقاني. وقد تعرض قسما المدينة للتخريب، إلا أن عمل أسفل كان يعاد بناؤه بعد كل مرة واستمر آهلاً حتى نهاية العصر المملوكي، ويرجع ذلك إلى موقعه بالقرب من النيل، أما عمل فوق فبقي خرباً بعد تدميره فى نهاية العصر الفاطمي (منتصف القرن الخامس الهجري/الحادى عشر الميلادى) بسبب المجاعات والأوبئة وتفاقم الأزمة الاقتصادية والسياسية التى تسببت فى تدمير الجزء الشمالى من مدينة الفسطاط  (مدينتى العسكر والقطائع) - عمل فوق – الذى كان يضم الأحياء العباسية والطولونية، فأبيدت أغلب مساكن هذا الجزء وأعيد استخدام حجارتها فى تعمير منطقة المشاهد من مشهد السيدة نفيسة حتى باب زويلة وغيرها من المناطق الأخرى. وقد شهد عهد الخليفة الآمر بأحكام الله (515-519ﮬ/1121-1125م) ازدهاراً فى تعمير المنطقة الجنوبية الممتدة فيما بين باب زويلة ومشهد السيدة نفيسة، كما كلف الوزير المأمون البطائحى وكيله أبا البركات محمد ابن عثمان بترميم المشاهد الواقعة فى هذه المنطقة والتى يتركز أغلبها فى شارع الخليفة وما حوله.

 

ومع زوال الحكم الفاطمى عهد خلفاؤهم الأيوبيون إلى تأكيد المذهب السني ومحو مظاهر المذهب الشيعى بمصر، وتكرس ذلك فى إنشاء المدارس السنية لتحل مقر حكم الفاطميين فى منطقة بين القصرين وإنشاء القلعة لتكون مقر الحكم الجديد خارج أسوار القاهرة، العاصمة الفاطمية، هذا بالإضافة إلى إنشاء مدرسة سنية بالقرب من قبر الإمام الشافعى أحد أئمة المذهب السنى ثم قبة فوق ضريحه فى القرافة، كما أنشأت أم الملك العادل رباطاً بالسيدة نفيسة. وفى نهاية العصر الأيوبى أنشأت شجرة الدر زوجة الملك الصالح نجم الدين الأيوبى آخر حكام الأيوبيين ضريحها إلى جانب مشاهد أهل البيت فى منطقة المشاهد (شارع الخليفة حالياً) وتبعها تربتان هامتان من العصر المملوكي لأم الصالح والأشرف خليل.

 

وعلى الرغم من أن أهمية منطقة المشاهد عظمت فى العصر الفاطمى لخدمة الفاطميين فى دعايتهم السياسية، إلا أن هذه الأهمية ترسخت فى العصر المملوكى، حيث شهدت منطقة القرافة والمشاهد رعاية كبيرة من الحكام المماليك والطبقة الوسطى العليا ومنشآت عديدة طوّرت من النمط العمراني ليتعدى الطابع الديني مما خلق طبيعة متعددة الوظائف بالمنطقة. فقد دفن الظاهر بيبرس ابنيه بمدفن الخلفاء العباسيين بالسيدة نفيسة بعد أن استقر الخلفاء العباسيون بمصر بعد سقوط بغداد، وكان دفن بيبرس لولديه فى مدفن العباسيين رغبة منه فى إعطاء صبغة شرعية لحكمه. ثم أنشأ السلطان قلاوون قبة ومدرسة أم الصالح لزوجته وأم ولى عهده على الشارع الأعظم بالقرب من مشاهد آل البيت، وإلى جوارها أنشأ ابنه الأشرف خليل قبة ومدرسة.

 

 وقد شهدت المنطقة الواقعة ما بين القلعة والقاهرة ازدهاراً عمرانياً فى العصر المملوكى خاصة فى عهد السلطان الناصر محمد (693-741ﮬ/1293- 1341م) بالإضافة إلى إعادة بناء المنطقة الواقعة شمال الفسطاط، ويرجع ذلك إلى انتقال مقر الحكم إلى القلعة وبالتالى سكن الأمراء والقائمين بشئون الحكم حول القلعة، هذا بالإضافة إلى إقامة عدد من الأسواق بميدان الرميلة. وعلى الرغم من كون القاهرة الفاطمية المركز التجارى، إلا أن الأنشطة التجارية والحرفية تمركزت خارج باب زويلة على امتداد الشارع الأعظم حتى مشهد السيدة نفيسة. وقد أشار المقريزى إلى تمركز الحمامات داخل أسوار القاهرة الفاطمية وكذلك فى الشارع الأعظم ما بين باب زويلة وجامع ابن طولون مما يدل على إزدهارها عمرانياً. وفى 714ﮬ/314-5م رمم الناصر محمد ضريح السيدة نفيسة وأنشأ جامعاً ملاصقاً له. كذلك كان الخليفة العباسى المستكفى يسكن فى داره بجوار تربة شجرة الدر فى 737ﮬ/1336-7م. واستمر الاهتمام بمنطقة المشاهد بالشارع الأعظم فى عصر المماليك البرجيين، فقد جدد مشهد السيدة رقية الشريف حسين بن أبى بكر الحسينى فى 844ﮬ/1440-1م، كما أصدر السلطان قايتباى قراراً بإقامة مولد السيدة نفيسة وحضوره من قبل السلطان، هذا بالإضافة إلى ترميمه للمشهد. هذا بالإضافة إلى أزدمر من على بك الذى أنشأ مسجداً وزاوية قبالة مسجد السيدة نفيسة.

 

ومع إنشاء سور المدينة فى العصر الأيوبى وسور مجرى العيون فى العصر المملوكى مخترقاً القرافة، أصبح الجزء الشمالى من المدينة داخل السور - بما فيه مشهد السيدة نفيسة والشارع الأعظم - دون باقى القرافة الممتدة جنوباً وشرقاً تحت سفح جبل المقطم، فيعتبر مشهد السيدة نفيسة بمثابة البوابة الروحانية للمدينة بينما يعتبر ميدان الرميلة أسفل القلعة البوابة السياسية للسلطنة، ففى العصر المملوكى كان هناك الطريق الواصل بين مشهد السيدة نفيسة والقرافة هو نقطة الانطلاق للزيارة.

 

وقد تم إنشاء عدد من الأسبلة فى محيط مشهد السيدة نفيسة، حيث أنشأ إسماعيل كتخدا مستحفظان شاهين سبيلاً بالقرب من مشهد السيدة نفيسة فى 1165ﮬ/1751-2م ، كما أنشئ بوابة وسور حول مشهد السيدة نفيسة فى 1170ﮬ/1756-7م، وأنشئ سبيل عرف بسبيل السلطان مصطفى بجوار بوابة السيدة نفيسة فى الفترة ما بين 1149-1169ﮬ/1736-1755م، إلا أنه أزيل مع البوابة فى جملة إزالات مشروع ميدان السيدة نفيسة فى القرن العشرين، وسبيل الحاج عمر بكير القصوات فى 1168ﮬ/1775م، هذا بالإضافة إلى سبيل اليازجى الواقع على رأس تقاطع شارع الأشرف مع شارع السيدة نفيسة والذى أنشئ فى القرن التاسع عشر. وتدل كثرة عدد الأسبلة فى المنطقة على أن السيدة نفيسة  فى العصر العثمانى كانت آهلة بالسكان والزوار ومريدى مشهد السيدة نفيسة. وقد شهدت منطقة السيدة نفيسة والمشاهد فى عهد الأمير عبد الرحمن كتخدا اهتماماً كبيراً، ففى ما بين 1171-3ﮬ/1757-60م قام بترميم مشهد السيدة نفيسة ومسجدها، وأنشأ لها ساقية ماء خاصة لملأ صهريجها، وكانت هذه الساقية تغذى المبانى المحيطة عبر أنابيب تحت الأرض، كما ذكرت الوقفية بناءه عشرة مبانى من بينها مبيت لزوار المشهد. وقد قام كتخدا بترميم مشهد السيدة رقية والسيدة سكينة الذى أعاد بناء مشهدها وأضاف له مسجداً ومناراً وأمدها بأنابيب لتوصيل المياه من الساقية التى أنشأها إلى المسجد وحمام ومستوقد الخليفة المجاورين. كما أنه قام بتخصيص ريع العقارات المحيطة بالمشاهد وقفاً لصيانتهم. أما مشهد سيدى محمد الأنور فقد أعيد بناءه بالإضافة إلى زاوية ومئذنة وميضأه وبئر حول صحنه. وقد أعيد تجديد المشهد فى العقدين التاليين لكتخدا وكذلك بقية المشاهد، حيث أنه لا يوجد أثر اليوم لأعمال كتخدا بالمشاهد حالياً.

 

وبعد عشرين عاماً من زمن كتخذا، قام الشريف محمد مرتضى الزبيدى بإنشاء مقام بمقصورة وساتر وزاوية بجوارمشهد السيدة رقية لزوجته التى دفنت هناك عام 1196ﮬ/1782م، كما أنه أقام بدار صغير بناه بجوار المشهد إلى أن توفى ودفن بجوار زوجته فى 1206ﮬ/1791-2م.

وقد قدر أوليا جلبي فى كتابه السياحتنامة عدد الصوفيين المقيمين فى السيدة نفيسة إلى بمائتين ووصفه بأنه أكبر تمركز صوفى فى القرافة بعد الفارض.

 

لقد عنيت منطقة السيدة نفيسة ومشاهدها باهتمام بالغ من الخديوى عباس الأول الذى عرف بشغفه الكبير بالأولياء وأهل البيت. ففى 1850م قام بتجديد القبة أعلى المقصورة النحاس بمشهد السيدة سكينة، كما حظى مشهد السيدة رقية بأعمال ترميم ونقلت إليه المقصورة التى قد سبق أن نقلها الأمير كتخدا من مشهد الحسين إلى مشهد السيدة سكينة، كما تم توسيع التكية، ثم قامت توحيدة ابنة الخديوى بعد ذلك بتوسعتها من جديد، كما قام عباس الأول بتجديد مسجد السيدة نفيسة وترميم المقصورة وبعض الأبواب والرخام، وقد استمرت أعمال الترميم حتى 1855-6م فى عهد الخديوى محمد سعيد. أما فى عهد الخديوى إسماعيل فقد تم بناء تكية للطريقة القادرية الصوفية داخل مدرسة الأشرف خليل عرفت بتكية السيدة نفيسة وأنشأت وقفاً لها. كما أنشأ ناظر مسجد السيدة نفيسة أدهم باشا مساكن للصوفية ووسائل مياه ومكتب بالقرب من المسجد. أما الخديوي عباس الثانى فقد قام بتجديد مشهد السيدة سكينة. وفى منتصف القرن التاسع عشر أنشأ محمود أفندى اليازجى ناظر المجلس العالى سبيل كتاب على رأس شارع السيدة نفيسة لم يبق منه سوى السبيل وهو غير مسجل. وفى 1873م امتدت أعمال الترميم إلى قبة شجرة الدر التى تم تجديد مسجدها والمصطبة خارجه.

 

وفى مطلع القرن العشرين قامت لجنة حفظ الآثار بإزالة القبور والمبانى فى محيط مدرستى أم الصالح والأشرف خليل، كما قامت بترميم قبتى شجرة الدر وعاتكة وكذلك ضريح الخلفاء العباسيين. وأثناء الحرب العالمية الأولى بدأت أعمال جديدة بقبتى شجرة الدر والسيدة رقية. فقد تبرع السلطان حسين كامل لترميم قبة شجرة الدر وإعادة بناء ميضتها ولخلق ميدان أمام القبة وإنشاء زاوية لها وكذلك لإعادة بناء تكية السيدة رقية، إلا أنه توفى قبل أن ينفذ المشروع فى 1917م، فقامت لجنة حفظ الآثار بتنفيذ جزء من المشروع إحياءً لذكراه، إلا انها لم تكمله، فتوقف المشروع إلى حد إزالة مسجد شجرة الدر وبداية إنشاء الزاوية. وفى مارس 1922م تم تشريع قانون لجنة جبانات المسلمين تابعه حصر الجبانات وتقسيمها إدارياً، فأصبحت القرافة الجنوبية - وتضم جبانة السيدة نفيسة - تابعة لقسم الخليفة. وقد تم منع تجديد أو ترميم المنشآت غير الدينية والمساجد والمبانى الخدمية للأضرحة بالجبانات إلا لمساكن التربية التابع لهم الجبانة. تم وضع خطة مرورية جديدة لإنشاء طرق بالجبانة، إلا أنه حتى 1950م لم يتم تنفيذها باستثناء ميدان السيدة نفيسة والشارع الموصل إليه. واستمر تطوير الميدان حتى مطلع القرن الحادى والعشرين والذى ارتبط بتطوير منطقة زينهم حيث بدأ إنشاء مساكن شعبية فيها فى خمسينيات وستينيات القرن العشرين والتى طوّرت مؤخراً تحت رعاية سوزان مبارك زوجة الرئيس السابق. وتحتل شركة القاهرة لتجميع القمامة جزءاً من رابية زينهم كمستودع، كما تضم نادياً ومركزاً اجتماعياً تديره جمعية أهلية، أما الجزء الغربى من ميدان السيدة نفيسة فبه مركز شباب ومكتبة ومستشفى ومدارس لخدمة منطقة زينهم، بينما تقع مستشفى المغربى للعيون الخاص على الجانب الشمالى للميدان. وإلى جانب ميدان السيدة نفيسة ومساكن زينهم التى غيرت جذرياً فى معالم منطقة السيدة نفيسة، فقد ساهم أيضاً إنشاء طريق صلاح سالم إلى عزل السيدة نفيسة عن القرافة الممتدة جنوباً وشرقاً، كما تسبب ذلك إلى خلق أزمة مرورية فى شارع الخليفة، حيث يلجأ إليه العديد من السائقين المتجهين إلى السيدة زينب ووسط البلد كطريق مختصر من صلاح سالم بسبب ازدياد الكثافة المرورية به.

 

وفى تسعينيات القرن العشرين أعيد بناء مسجد السيدة نفيسة. وفى 2002م بدأت وزارة السياحة مشروع مزارات أهل البيت لتجديد شارع الخليفة ومشاهده، إلا أن المشروع لم يكتمل.